|
إنّ كتاباً ككتاب نهج البلاغة ، الذي جمع بين دفتيه من خطب ومواعظ وحكم ورسائل
لسيّد الفصحاء والبلغاء الذي تربّى منذ نعومة أظافره في حجر
الرسالة
وغذي بلبان
النبوّة
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( صلوات
الله عليه
)
اتبع
الرسول ( صلى الله عليه
وآله
)
اتباع
الفصيل اثر أمّه وكان منه كالصنو من الصنو والذراع من العضد
.
|
|
لمن المؤسف عليه أن يقع تصحيحه وضبط نصّه وشرح ألفاظه بأيد غير أمينة على تراثنا الخالد العريق ، أمثال محمّد عبده ومحيي الدين الخياط وصبحي الصالح !!! الذين جعلوا كل اهتمامهم في تحقيقه جهة البلاغة والفصاحة فيه ، غاضّين طرفهم عمّا فيه من مسائل مهمّة ، بالأخص تلك المباني التي تختلف مع مذهبهم اختلافاً جوهرياً ، فحاولوا وبشتّى الطرق تحريفها وتغييرها عن معناها لتتلائم وما يعتقدونه ويذهبون إليه !! . |
|
ومن هذا المنطلق كانت تدور في خلدي فكرة تحقيق نهج البلاغة تحقيقاً يتناسب مع شأنه ، ولكن خطورة الخوض في أعماقه كانت تردّدني كثيراً في الشروع به ، إلى أن رفع تردّدي بعض أصحاب الخبرة ومن عليه المعوّل في هذا المجال وشجعني وبعث اطمئناناً في قلبي ، فعزمت على تحقيقه واضعاً خطّة بدائية لهذا العمل تتكوّن من :
|
-
مقابلة الكتاب على أهم نسخه المعتبرة التي تمتاز بالقدم والقراءة والبلاغ ، وكذا مقابلته على أقدم شروحه المعتبرة . 
-
تثبيت أهم الاختلافات بين النسخ في الهامش .
-
ذكر أسانيد ما ورد في نهج البلاغة من خطب وحكم ورسائل متصلة إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، مع ذكر المصادر المتقدّمة على زمن الشريف الرضي .
-
عرض ما جاء في متن الكتاب من خطب ورسائل وحكم وكلمات قصار على المصادر القديمة والإشارة إلى ما وقع من اختلافات بينها .
-
ذكر مصادر الروايات الواردة في الكتاب عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبالاعتماد على أهم الكتب عند الفريقين .
-
الأبيات الشعرية التي استشهد بها أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ، تشرح وتذكر أقدم مصادرها .
-
الأمثال والحكم التي استشهد بها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في كلامه ، تشرح ويذكر قائلها .
-
أسماء البلدان ، تشرح بالاعتماد على أقدم المصادر .
-
أسماء الحيوان والنبات ، تشرح بصورة مختصرة .
-
وضع ترجمة للأعلام المذكورين في نهج البلاغة .
-
شرح الكلمات اللغوية الصعبة الفهم على عامّة الناس ، بالاعتماد على كتب اللغة وشروح نهج البلاغة القديمة .
-
رد الشبهات الواردة حول نهج البلاغة ، كل في محلّه في أثناء الخطب والرسائل والحكم .
-
التعريف ببعض المبهمات والإشارات في نهج البلاغة ، كذكر الأسماء التي أشار إليها ( عليه السلام ) في كلامه أو البلدان والوقائع ، أو ما ذكره بالكنية ، كل ذلك وبالاعتماد على شروح نهج البلاغة المعتبرة والمصادر الأُمّ في التاريخ والحديث والرجال و . . .
-
ومسائل أخرى كثيرة تستجد أثناء العمل .
|
|
وفي أثناء وضعي خطّة العمل وفي بدايات الدخول في هذا المشروع الجبّار ، حصل لي لقاء مع سماحة الشيخ محمّد النقدي حفظه الله ، وأطلعني على عزمه لتجديد طبع نهج البلاغة بصف حروفه وإخراجه بحله قشيبة من الناحية الفنية ، ذلك وبالاعتماد على طبعة صبحي الصالح . |
|
فأخبرته بما في هذه الطبعة من تحريفات وأخطاء كثيرة ! |
|
فطلب منّي تصحيح الكتاب وضبط نصّه ورفع ما وقع فيه من تحريف ، من دون إطالة أو تعليق . |
|
فانتهزت الفرصة لكي أقدم عملي هذا بصورة بدائية ، وذلك بمقابلته على أقدم نسختين وضبط نصّه من دون الإشارة إلى الاختلافات . |
|
وكلّي أمل من العلماء وأصحاب النظر في أن يمدّوني بنظراتهم العلمية ، لتطوير العمل ، ورفع جميع الإشكالات عنه ، وإخراجه بصورة يكون مفخرة لمذهبنا وتراثنا الغني الخالد . |
|
صبحي الصالح وعمله في نهج البلاغة :
لم يبتكر صبحي الصالح في تحقيقه لنهج البلاغة شيئاً يذكر ويقدّر ، سوى ما صنعه من فهارس فنّية للكتاب لم يسبقه بها أحد ، وفي الفهرس الأوّل منها الذي خصّصه للألفاظ المشروحة ، يندهش القارئ عند مطابقتها مع ما شرحه محمّد عبده ، فيرى أكثرها أن لم نقل كلّها منقولة نصّاً من شرح محمّد عبده ، نعم محمّد عبده شرح كل عدّة كلمات في هامش واحد وصبحي الصالح أفرد لكل كلمة هامشاً على حدة !! ونوّه صبحي الصالح في مقدّمته إلى هذا المطلب ، واعتذر عن هذا بأنّ محمّد عبده عوّل في شرحه على شرح ابن أبي الحديد وأخذه منه حرفياً ، وهو أيضاً عوّل على شرح ابن أبي الحديد وأخذه منه حرفياً !! . |
|
وأمّا تقويم نص الكتاب فتشاهد صبحي الصالح في مقدّمته ينقد محمّد عبده بعدم اعتماده على مخطوطات نهج البلاغة في التصحيح ، وأنّه اكتفى بنسخة واحدة ، ولم يجشم نفسه عناء البحث عن النسخ المختلفة ومقابلة بعضها ببعض ضبطاً للنص وتصحيحاً للأصل واختياراً للأدق الأكمل وانسجاماً مع أمانة العلم ومنهجية التحقيق |
|
وبعد كلام صبحي الصالح هذا نوجّه له سؤالاً ونستفهم منه عن النسخ التي اعتمدها وجشم نفسه عناء البحث عنها و ... ؟!! |
|
فلم يذكر لنا وصف نسخة اعتمدها في تحقيقه ، واعتمد في ضبط النص على ما ضبطه محمّد عبده ، حتّى أنّه تابعه في الأقواس والتنصيص وتقطيع النص ، وفي بعض الموارد التي خالف فيها محمّد عبده ، كان الحق مع محمّد عبده ، نعم يحتمل أن يكون قد قابل الكتاب مع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد الذي حقّقه محمّد أبو الفضل إبراهيم . |
|
ولو كان صبحي الصالح اعتمد في تحقيقه على مخطوطات لنهج البلاغة ، لما وقع في اشتباهات كثيرة ستأتي الإشارة إليها . |
|
وأمّا ما كتبه صبحي الصالح في مقدّمته لنهج البلاغة والتي عنونها ( لمحة خاطفة عن سيرة الإمام علي ( عليه السلام ) فتراه يراوغ فيها بين مدح وذم دفين يجعل القارئ مصدقاً بما يقوله ويحرّف ذهنه عن الواقع من دون أن يشعر به . |
|
فمثلاً تراه يمدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأنّه كان : ثاقب الفكر ، راجح العقل ، بصيراً بمرامي الأمور ، له سياسة وحكمة وقيادة رشيدة . |
|
ولكن سرعان ما تراه يعقّب على كلامه هذا ويهدم كل ما بناه ويلقي بسمّه ، وذلك عندما يقول : لكن مثله العليا تحكّمت في حياته ، فحالت دون تقبّله للواقع !! ورضاه بأنصاف الحلول !! بينما تجسّدت تلك الواقعية في خلفه معاوية !! وكانت قبل متجسّدة على سمو ونبل في الخليفة العظيم عمر بن الخطاب !! |
|
الفوارق بين هذه الطبعة وطبعة صبحي الصالح :
تبلغ الفوارق بين هذه الطبعة وطبعة صبحي صالح المئات ، فتجد في كل صفحة فوارق كثيرة ، بل في كل سطر ، وهذا ما يدل على أنّ صبحي الصالح لم يعتمد على أي أصل أو مخطوط ، بل حاول في بعض الموارد تحريف النص عن معناه الأصلي ، ولو أردنا استقصاء جميع الفوارق وبحثها لطال بنا المقام ، فنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض الفوارق ونترك الاستقصاء بمطابقة هذه الطبعة مع طبعة صبحي الصالح إلى القارئ الكريم : |